الرئيسيةأمراض وعلاجاتالصرع: معلومات أساسية يجب معرفتها لضمان سلامة المصابين به.
أمراض وعلاجات

الصرع: معلومات أساسية يجب معرفتها لضمان سلامة المصابين به.

د. سمير أبو حامد- أخصائي الأمراض العصبية والصرع- فرنسا

على مريض الصرع الابتعاد عن الأماكن المرتفعة أو السباحة من دون مرافق حفاظاً على سلامته

من أهم واجبات الطبيب حماية المرضى والتأكد من سلامتهم، وتوضيح أي لَبِس في معرفة أمراضهم وطريقة التعامل معها بطريقة سليمة وآمنة، سواء كان ذلك من خلال تناول الدواء بالطريقة المناسبة والالتزام به، أو عدم وضع أنفسهم تحت الخطر عند اتباعهم لنصائح غير واضحة أو تحمل إمكانية سوء الفهم أو التفسير.

في هذا الموضوع أود أن أوضح بعض النقاط حول موضوع الحلقة 600 من برنامج “كلام نواعم”  الذي تم بثه يوم الأحد 10-12-2017 على قناة “أم بي سي MBC” حول موضوع الايجابية وقدرة النساء على إحداث التغيير وإلهام الآخرين في جعل نقاط ضعفهم مصدر لقوتهم وإلهامهم، طبعا هذا مبدأ ومنهج بالحياة لا يمكن نكران فوائده ونتائجه البناءة.

بصفتي طبيب أمراض عصبية ومختص بالصرع بشكل خاص، رأيت أن من واجبي الإضاءة على بعض النقاط التي لفتت نظري  أثناء اللقاء الأخير  في الحلقة مع الشابة إيمان عبد الشكور، التي قالت أنها كانت تعاني من الصرع منذ كان عمرها 9 سنوات وأنها استطاعت السيطرة على مرضها من خلال التفكير بإيجابية واعتبرت الصرع و”التشنجات” التي كانت تحدث لها مصدر إلهام وقوة لها، ولذلك أود أن أشدد على النقاط التالية وذلك درءاً لإساءة الفهم من قبل المتابعين وخاصة لبرنامج بحجم “كلام نواعم” على محطة  “ام بي سي MBC” الواسعة الانتشار والمشاهدة.

أرى أن القول بأن الشابة استطاعت السيطرة على تشنجاتها، والتي تدعى علميا “اخلاجات” عن طريق تحويل الطاقة السلبية الى طاقة ايجابية غير ممكن علمياً وطبياً إذا كانت حالتها المرضية صرعاً حقيقياً، حيث أن علاج الصرع يكون دوائياً  وجراحياً ولا يوجد علاج إدراكي سلوكي للصرع، ويضاف إلى خطة العلاج تجنب العوامل المؤهبة والمحرضة لحدوث نوبة الصرع مثل قلة النوم وتناول الكحول و الشدة النفسية  حيث تلعب دورا مساعداً وليس أساسياً للسيطرة على نوبات الصرع.

يكمن خطر الحديث عن إمكانية السيطرة على نوبات الصرع بقوة الإرادة هو تحريض وتشجيع مرضى الصرع الذين شاهدوا هذه الحلقة على اتباع نفس المنهج وبذلك يتوقفون عن تناول العلاج  مما يضعهم تحت خطر تدهور حالتهم  والوصول لمرحلة “الحالة الصرعية” التي قد تؤدي للوفاة.

النقطة المثيرة للقلق التي ذكرتها الشابة إيمان أيضاً هي أنها قامت بتسلق الجبال وقامت بالسباحة بالبحر الأحمر و المحيط الأطلسي بالرغم من وجود التشنجات لديها، وهذا كلام خطير جداً لأن من أهم التحذيرات التي نخبرها لمريض الصرع وأهله هو  عدم التواجد  في أماكن مرتفعة أو السباحة أو القيام بهوايات خطرة  من دون مرافقة لانّ ذلك يمكن أن يؤدي للوفاة أو الإصابة إذا حدثت النوبة وهم في مثل هذه الأماكن.

مما سمعت من وصفها للحالة، أعتقد أن ما حدث معها يحمل احتمالين للتشخيص:

  1. إمّا نوبات صرعية جزئية تعممت فيما بعد عندما كبرت، وهذه النوبات تنجم عن اذية دماغية يتم السيطرة عليها بالعلاج الدوائي أو بالعلاج الجراحي باستئصال البؤرة الصرعية.
  2. الاحتمال الآخر وهو ما أرجحه لأنه أقرب للمنطق والأدلة العلمية في حال أنها استطاعت السيطرة على أعراضها من خلال قوة الإرادة  وليس العلاج الدوائي، أن تكون حالتها عبارة عن عُصاب تحولي ياخذ شكل نوبات صرعية كاذبة وقد يكون علاجه بالتحول من السلبية نحو الايجابية بمعنى تغير في السلوك.

الصرع هو مرض عصبي دماغي يتميز بقابلية الدماغ على توليد نوبات صرعية عفوية أي غير محرضة  (النوب المحرضة هي تلك ناجمة  عن أذية حادة كحالة السكُر أو أذية دماغية حادة كالنزف الدماغي أو خلل استقلابي….. )

 أما النوبة الصرعية فهي تظاهرات عصبية انتيابية حركية أو حسية أو حاسية أو نفسية، قد يرافقها أو لايرافقها  فقدان للوعي. تنجم عن إفراغ مفرط وشديد التناسق لشحنة كهربائية من مجموعة من خلايا قشر الدماغ. اذا كان هذا الافراغ مرتبط بعدد محدود من الخلايا فتدعى عندها بالنوبة الجزئية، وعلى العكس، إذا شملت كامل قشر الدماغ فتدعى بالنوبة المعممة

أنواع الصرع

 يحدث الصرع لدى جميع الأعمار من والولادة و حتى آخر لحظات العمر، لكن الأسباب المؤدية له تختلف حسب العمر، مثل السبب الوراثي أو الاستقلابي فيما يخص النوب المعممة، والسبب البنيوي بما يخص النوب الجزئية

يعرف الناس تلك النوب المعممة والتي تأخذ شكلا مشهديا تبدأ بانقطاع المريض عن محيطه آخذا وضعية الجمدة ( مقوية عضلية معممة) وتوقف التنفس وتلون الوجه بالزرقة يليها بعد عدة ثوان فقد كامل للوعي والسقوط  الرضي على الارض والبدء بالاختلاجات (حركات منتظمة عطف وانبساط بالاطراف الأربعة) مع تنفس خشن لحوالي الدقيقة وقد يعض المريض لسانه، ثم تتوقف الاختلاجات ويدخل المريض بحالة نوم عميق وقد يبول على نفسه ويصبح تنفسه ضحلا. عندما يستيقظ لا يتذكر ما حدث معه.

تكون هذه النوب المعممة أما بسبب الصرع البدئي ( الذاتي الوراثي المنشأ) أو بما يدعى بالتعمم الثانوي لنوب جزئية، أي أن انفراغ الشحنات الكهربائية تنتشر من البؤرة الصرعية إلى كامل قشر الدماغ.  ، لكن نسبة حدوث هذا الشكل من نوبات الصرع المعممة صغيرة إذا عرفنا أن 70% من أشكال الصرع تتظاهر بنوب جزئية.

الصرع مرض شائع ويصيب ما بين 0.5- 1 % من الناس. لا يتم تشخيصة لدى نسبة كبيرة من المرضى، خاصة في الحالات التالية:

  • صرع الغياب أو الداء الصغير الذي يصيب الاطفال، والذي يتجلى بنوب من فقدان التواصل مع المحيط لثوان معدودات دون اختلاج أو سقوط على الارض، أو
  • الصرع بانتياب مركزي وهو اكثر انواع الصرع شيوعا عند الاطفال في سن التحصيل الدراسي، حيث تكون النوب جزئية وتحدث ليلا في أكثر الأحيان، وتأخذ شكل نوبات فموية بلعومية حنجرية (تشنج أو اختلاج أو إصدار أصوات غريبة).  نسبة الشفاء منه 100% حين الدخول في سن اليفاعة، ولا يحتاج لعلاج في أغلب الأحيان.
  • الصرع الجزئي البسيط حيث تنحصر الأعراض بمركب عرضي واحد حركي أو حسي أو حاسي.
  • الصرع الجزئي المعقد حيث يحدث تغيرا في مستوى الوعي وقد تسبق النوب النسمة وهي أعراض بسيطة حاسية ونباتية ونفسية، وقد تنتهي النوب نحو التعمم الثانوي، لا بد هنا من ذكر نوب الفص الصدغي  بشكل اساسي، ونوب الفص الجبهي بنسبة اقل.

حتى نشخّص الصرع، يجب حدوث نوبتين صرعيتين عفويتين على الأقل، أو نوبة صرعية عفوية وحيدة مع وجود عامل قادر على إحداث نوب مستقبلية بنسبة عالية.

أسباب الصرع:

للصرع أسباب كثيرة جداً، ويمكن وضعها تحت ثلاثة عناوين كبيرة:

1- التأهب الوراثي حيث يشاهد الصرع المعمم باشكاله الثلاثة المعروفة أي النوب المقوية الرمعية (شناج- اختلاج) والذي تحدثنا عنه سابقا. وصرع الغياب ويصيب الاطفال في سن المرحلة الابتدائية ويتميز بفقدان اتصال المريض مع محيطه لثوان معدودات دون سقوط.، وتتكرر عادة عشرات المرات خلال اليوم الواحد، وقد تكون وراء تراجع الحصيلة الدراسية للتلميذ بسبب انقطاع تواصله المتعدد  مع شرح المدرس أو المدرسة.

الشكل الثالث من الصرع المعمم هو صرع الرمع العضلي “اختلاج عضلي” ويتظاهر بنفضات مفاجئة في الاطراف خاصة عند الاستيقاظ صباحا، مما يسبب إسقاط الادوات من أيدي المرضى كالصحون والكؤوس، ويجب الانتباه بشكل خاص للأم المصابة بهذا النوع من النوبات وخاصة عند حمل رضيعها.

2- السبب الاستقلابي خاصة عند الطفال الصغار والرضع، حيث يوجد حالة خاصة من الصرع المعمم المسماة اعتلال الدماغ الصرعي.

3- السبب البنيوي ونخص هنا الصرع الجزئي. ويجب أن لا ننسى هنا الاشارة إلى تصلب حصان البحر كسبب لصرع الوجه الباطن للفص الصدغي، ويكون السبب في اغلب الحالات الاختلاجات الحرارية عند الرضع والاطفال. قد يستفيد المريض هنا من العلاج الجراحي باستئصال البؤرة الصرعية.

 بالنسبة للحالة الصرعيةّ: هي حالة إسعافية لأنها مهددة للحياة وتتجلى بنوبة صرعية طويلة المدة أو توالي لنوبات متكررة دون تحسن الوعي بينها لفترة تزيد عن 30 دقيقة.

 أما في حالة النوبة المعممة المقوية الرمعية ” الشناج -الاختلاج”، فيكفي استمرار مدة النوبة لأكثر من 5 دقائق ليتم اعتبارها حالة صرعية

تكمن خطورة الحالة الصرعية في أنها تحمل خطر الموت بسبب حدوث وهط “قصور”  قلبي تنفسي حاد يؤدي لنقص أكسجة دماغ  وقد ينتهي بالموت.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *